وعندما كنت في زيارة لمدينة غزّة يوم
15/12/1998م بمناسبة زيارة الرّئيس الأمريكي بيل كلينتون للقطاع، من أجل
أن يشاهد بنفسه المجلس الوطني الفلسطيني، وهو يؤيّد في جلسة خاصّة إلغاء
(27) مادّة من موادّ الميثاق الوطني وعددها (33) مادّة، بناءً على إلحاح
من رئيس وزراء إسرائيل (ناتنياهو) الذي قيل له إنّ الفلسطينيين لم يعدّلوا
ميثاقهم، وإنّما مارسوا عمليّة خداعية بهذا الخصوص، وقد اجتمع في منتدى
رشاد الشوا أكثر من ألف شخصيّة، ورفع معظمهم أيديهم بالموافقة حسب طلب
الرّئيس ياسر عرفات، وبينهم كثيرون ليسوا أعضاء في المجلس الوطني، ولسنا
هنا بصدد شرعيّة ما حدث أو عدمها، وإنّما نترك الأمر لفقهاء القانون!!
المهمّ
أنّ صديقي هجم عليّ معانقاً بعد فراق دام ثمانية عشر عاماً، وتحدّثنا في
فندق فلسطين حيث كنت أقيم، وطال الحديث، ومنه عرفت أنّه عمل بتوصية من أحد
أقاربه المقرّبين من الرّئيس عرفات في جهاز الأمن الوقائي بقيادة محمد
دحلان، وأنّه في البداية كان يقوم بإلقاء محاضرات في مجموعات المنتسبين
للجهاز، وكان عليه أن يقنعهم بتأدية مايطلبه منهم رؤساؤهم دون نقاش؛ لأنّ
جهازهم مناط به مهمّة حماية السّلطة الفلسطينيّة من أعدائها في الدّاخل
والخارج، وأعداء الدّاخل هم الذين يعملون على تخريب العمليّة السلميّة،
واتّفاق أوسلو الذي سيوصل شعبنا إلى إقامة الدّولة الفلسطينيّة المستقلّة
وعاصمتها القدس، وذلك في نهاية عام 1999م، وكان عليه أن يقنعهم بالعمل على
كشف هؤلاء، والزجّ بهم في السّجون حتى يتراجعوا عن ممارستهم المضادّة.
وأمّا
الأعداء في الخارج فقد تحجّرت الكلمات في حلق صديقي وهو يحاول إقناع
منتسبي الجهاز بغضّ الطرف عنهم، وترك أمرهم للجهاز المقابل لدى العدوّ
الإسرائيلي، وذكر لي أنّ بعض المنتسبين سألوه بصراحة: (هل أصبحنا حلفاء مع
الصّهاينة ؟) وراح صديقي يلفّ ويدور حول نفسه كي يجيب على ذلك السّؤال
المؤلم.
وذكر لي أنّ قادة الجهاز كانوا يطلبون منه أن يكتب أبحاثاً
تدور حول علاقة السّلطة بـ»إسرائيل» حسب اتفاقية أوسلو، وكانوا يطبعونها،
ويوزّعونها على منتسبي الجهاز، إلى أن كانت ليلة لن ينساها أبداً!!
فلقد
اصطحبه قائد الجهاز مع ثلاثة من ضبّاطه في ساعة متأخّرة من الليل، وركب
معهم في سيارة (باترول/جيب)، وكان زجاجها مطلياً باللون الأسود، وهبطوا من
السيّارة، ودخلوا ما يشبه الكازينو، وهو مبنىً ضخم قيل إنّه في تل أبيب،
وجلسوا في إحدى زواياه، وفوجئ بعدد من الضبّاط الإسرائيليين يجلسون معهم،
وكانوا يتحدّثون بالعربيّة الرّكيكة، وعرّفوهم على صديقي. فقال بمرارة:
لقد سمعت من كبيرهم عبارة: (برافو . س . كتاباتك جميلة سيكون لك مستقبل في
دولة فلسطين)، وما هي إلا دقائق حتى جلست بجواري فتاة حسناء شبه عارية،
وراحت تلاطفني بحركاتها، وطلبت منّي أن أشرب، لكنّني ادّعيت الإحساس
بدوار، وأنّني أميل إلى التقيّؤ، فذهبت إلى الحمّام، والمهمّ أنّني لم
أسايرهم، وفي طريق العودة عند الفجر، سمعت ما يشبه التّوبيخ من رئيس جهاز
الأمن الوقائي، وقال لي: إنّ مشيختك هذه سكّر زيادة، ولابدّ من التخلّص
منها، جهازنا يبيح لنا المحظورات يا محترم.
ولقد ذكر لي صديقي الكثير
مما تعرّض له خلال عمله في الجهاز، ممّا جعله يلجأ إلى قريبه الذي توسّط
له لدى الرّئيس ياسر عرفات، فنقلوه إلى وزارة العدل، وأنّه أصبح الآن يحسّ
براحة نفسيّة، وقالها بحسرة مفعمة بالألم!
وأضاف لا أدري هل نحن سائرون
في الطّريق الصّحيح ؟ وهل تعتقد أنّنا سنصل بالفعل إلى دولتنا المستقلّة
وعاصمتها القدس ؟! وأضاف: ما يؤلمني أنّهم يستخدمون في هذا الجهاز شباباً
لا أخلاقياً، ولا يقيم وزناً لأيّ اعتبار وطنيّ، فقط هم قلّة قليلة أولئك
الذين يتحلّون بحسّ وطنيّ وتأنيب للضمير، وخاصّة عندما يكلّفون بمهامّ
قذرة لإسقاط بعض المسؤولين من أجل إذلالهم؛ كي ينّفذوا ما يريده منهم قائد
الجهاز، أهذه هي الثورة التي كنّا نعيشها، ونقدّسها، وكلّنا أمل بأن تحقق
لنا حلمنا المقدّس المنشود ؟؟!
.. وافترقنا، لأعرف أنّ صديقي ترك عمله، وسافر إلى دولة الإمارات ليعمل هناك بعيداً عن هذه الأجواء المسمومة.
أضف تعليقا
أخي النسر الحر ..
ذكرتني بأيام كنا نخشى فيها حتى من خيالاتنا من رنة هاتف وطرقة باب .. من سيارة ذات زاج أسود لا يستطيع قيادتها إلا بعض الناس الذي ليس لهم علاقة بهذا الشعب المطحون ..
كشعب نحيا في قطاع غزة نأمل بالوحدة الوطنية ولكن نخشى عودة تلك الحياة التي يهون علينا الحصار ويتضاءل على أن نحياها مرة أخرى ..
قبل دقائق كنت أقرأ رسالة عبر الإيميل عن بنود أوسلو ..
سبحان الله العظيم ..
اوسلو البداية
انطلاقاً من اتفاقية اوسلو سيئة الصيت والسيرة... يتوضح لنا المسار الامني الذي حدد للسلطة الفلسطينية كي تسير عليه، وقد كشف هذا الامر ما عرف ب"وثيقة الملاحق السرية لأتفاق منظمة التحرير واسرائيل" والتي حددت بمجموعة من النقاط اختصرها كالاتي
تتعهد منظمةُ التحرير الفلسطينية بوقْف كافة الحملات المعادية لـ(إسرائيل) وتتعهد بالعمل على تصفية أي حملات سياسية أو عسكرية فلسطينية معارِضة تهدف إلى تدمير (إسرائيل) وقتْل مواطنيها.ملحق رقم (1) الفقرة الثانية
تتعهد منظمةُ التحرير الفلسطينية أو الحكومة الذاتية الانتقالية الفلسطينية بتسليم قوائم بأسماء الجماعات الفلسطينية الدينية وغيرها المعارِضة لاتفاقية السلام بين (إسرائيل) ومنظمة التحرير الفلسطينية بعد ثلاثة شهور من بدء تنفيذ اتفاقية السلام ومراقبة نشاطها.ملحق رقم (2) التعاون الأمني – الفقرة الثانية
يتفق الفلسطينيون والإسرائيليون على توجيه إعلامهم المشترك لمحاربة الأصوليين والإرهابيين في (إسرائيل) والدول العربية الأخرى، وكذلك محاربة المُعادِين لعملية السلام الإسرائيلية -الفلسطينية-العربية.ملحق رقم (4) التعاون الإعلامي- الفقرة الثانية
يحقُّ للحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية الانتشارُ وملاحقة عناصر إسرائيلية(كم إسرائيلي مطلوب لحكومته فر إلى الأراضي الفلسطينية؟!) وفلسطينية مطلوبة للحكومة الإسرائيلية في مناطق الحُكم الذاتي في أي وقتٍ تراه هذه الأجهزة مناسباً لعملها، مع الاحتفاظ في عدم إحاطة الحكومة الذاتية الانتقالية الفلسطينية وكذلك أجهزتها الأمنية بذلك خوفاً من تسرُّب المعلومات وهروب المطلوبين مع إحاطة الحكومة الذاتية بالعِلم بعد إنهاء المهمة.ملحق رقم (5) أمور خاصة-الفقرة الرابعة
هذه اللمحة البسيطة على وثيقة الملاحق السرية لاتفاق اوسلو، ترسم طبيعة العلاقة الامنية القائمة بين الاجهزة الامنية السلطوية والصهيونية، وهي باكورة الاتفاقيات الامنية والتي تبعها بعد ذلك اتفاقيات اكثر خزي وعار، هذا الامر جميعه يصب في خانه واحدة لا غير وهو ان وظيفة الاجهزة الامنية الفلسطينية توفير الامن والحماية لدولة الصهاينة لا اكثر... هذا الامر الذي كان وما زال مستمرا الى يومنا هذا بصوره واشكاله المختلفة... سيكون من الاساسيات التي ستتم مناقشتها في لجنة الامن اثناء الحوار الفلسطيني
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










و الله لا أجد كلمات مناسبة
فالقلب لم يعد يحتمل
و العقل توقف عن العمل
دمت نسراً محلقاً في فضاء حر
يــولا