جورج غالاوي.. مرحى لا أبالغ إذا قلت إني لم أر مناصراً للقضية الفلسطينية، ولا حتى من أبنائها، بفاعلية وقوة وحيوية وتأثير جورج غالاوي. وهو لمن لا يعرفه عضو في مجلس العموم البريطاني لمدة عشرين سنة متصلة منذ 1988 حتى 2007. وهو أصلاً إيرلندي من مواليد داندي بسكوتلاندا. ولا أبالغ أيضاً إن قلت إن الجمهور كان متفاعلاً معه بشكل عز نظيره، فقد قوطعت كلمته بالتصفيق الحاد والحار عشرات المرات. وقد بدأ محاضرته في ذكرى نكبة 15 أيار بقوله: إنه منذ كان عمره 21 سنة، تعرف إلى من عرفه بالقضية الفلسطينية، ومنذ ذاك التاريخ وهو مناصر للقضية الفلسطينية، وليست المناصرة كلمة يقولها. وحتى لو كانت كلمة فهي مكلفة جداً حتى في الغرب، فكيف إذا كانت المناصرة مشاركة في القتال، وكيف إذا كانت شهوداً حياً لمذبحة صبرا وشاتيلا حيث كان يعيش هو هناك. ثم قال: «إنه يؤسفني ويحزنني أنني أثناء خدمتي في المجلس كنت مضطراً لرؤية بلير والمرور بالمكان الذي كان يجلس فيه إيدن ومن قبله بلفور، هؤلاء الذين يشكلون لبريطانيا لطخة لا يمكن أن تذهبها عطور الجزيرة العربية، كما يقول شكسبير»، كما قال غالاوي. ثم سخر من تعيين بلير مبعوثاً للسلام إلى الشرق الأوسط. وهو الذي يقول: «إنه لا صديق لـ«إسرائيل» في العالم مثل حكومتي، ولا مثلي أنا شخصيا». ثم شبه تعيين بلير مبعوثاً للسلام بما صنع الإمبراطور الدكتاتور الروماني «كاليجيولا»، الذي عين حصانه في الطاقم الوزاري الروماني. ومن المادة الغنية التي شكلت محاضرته، من شواهد التاريخ البعيد والقريب ومن وقائع الواقع أقتطف بعض مقتطفات من عيون ما قال. فقد أشار إلى الضلال في مقاييس العالم إذ يسمون ضحايا الإرهاب إرهابيين، ويسمون الإرهابيين (إسرائيل) ضحايا الإرهاب. ومن الأمثلة الطريفة مقابلته للسنيورا، فقد قال إنه قابله بعد الغزو الإسرائيلي فقال له السنيورة قبل أن يسلم عليه: «توقف عن قولك: «إننا انتصرنا في حرب لبنان، فالحق أنا هزمنا فيها». فقال له غالاوي: «سيادة الرئيس، إنك فريد متفرد في الزعماء العرب فهم يسمون هزائمهم انتصارات، وأنت الوحيد الذي يسمي نصراً محققاً باعتراف العدو هزيمة». وقال إنه قابل قبل شهرين أو نحوهما رئيس وزراء بلد خليجي فقال له بصراحة لقد طلب منا التعاون في قتل إخواننا في العراق وفعلنا، ثم تظاهرنا بأنا مندهشون مما يجري في العراق. وتندر من تسمية جورج بوش لشارون بأنه رجل سلام، فقال غالاوي: «إن بوش لم يصف نفسه يوماً بأنه رجل سلام فكان بوش يغلو في حب اليهود أكثر من أنفسهم، ويبالغ في تزيينهم أكثر مما يفعلون هم». ومن الطريف المؤلم ما ذكره عن انعقاد مجلس جامعة الدول العربية خلال يومين من أحداث بيروت الأخيرة، ومبالغتهم في التحذير من خطر حزب الله وخطر إيران، على أمن المنطقة برمتها والعالم، وقال غالاوي: نزول أربعمئة مقاتل لبناني في شوارع بلدهم بيروت، أو في شارع الحمرا كما قال هو، استدعى فوراً أن تجتمع «الجامعة» وتقترح إرسال قوات عربية لتقاتل حزب الله، ولم نر الجامعة تجتمع، لا في غزو «إسرائيل» للبنان 2006 ولا لكون مليون جندي إسرائيلي قادمين من كل أصقاع الأرض يحتلون بلداً عزيزاً فيه مقدسات المسلمين، وهم يهددون الأقصى، ولم يحرك أحدهم (العربان يعني) أصبعه، وبينما بضعة مئات ألوف من جنود الاحتلال الأمريكي والغربي في العراق لم نسمع صوتاً. ولقد انتزع الحكم من أهل السنة هناك، وأهل السنة في مذبحة يومية منذ عدة سنوات، ولم نسمع صوت إغاثة أو اعتراض. فلماذا نزلت عليكم الحمية فجأة؟ وهبطت عليكم المرجلة على حين غرة؟! ومن أطرف ما قال عن وعد بلفور، أنه أعطى طرف أرض طرف ثان لاحق له فيها ولا ملك له عليها، إلى طرفاً ثالث لا وجه مطلقاً لتملكه لها. ثم ذكر أخطاءه في فهم القضية الفلسطينية، ومنها ظنه أن أوسلو قد يحقق شيئاً، ثم تبين له أنه مخطئ، والخطأ الثاني ظنه أن فلسطين يمكن أن تتحرر بجهد شعبها، وقال إن هذا خطأ، فلن تتحرر فلسطين إلا إذا تحررت دول العالم العربي (وقال: أنتم تفهمون ما أريد قوله!). ثم ختم كلمته الرائعة بقوله: «لئن لم أعش حتى أرى فلسطين حرة عربية فإن ابني زين الدين سيقف بينكم كموقفي هذا ويواصل النضال حتى يرى فلسطين حرة عربية»... مرحى يا جورج غالاوي وسلام عليك.
الثلاثاء, 15 جمادى الأولى, 1429
بالعادة أنا لا احب بريطانيا ولا البريطانيين الا هذا الرجل
تاريخ النشر
20/05/2008 - 05:08 ص
د. أحمد نوفل
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








