المشروع الحضاري
إن المشروع الحضاري الإسلامي الشامل الذي وضعه الإمام البنا هو الطريق الوحيد لإنقاذ الأمة اليوم مما نزل بها؛ فالإسلام وحده هو الذي يصون هويتها، ويحفظ شخصيتها، ويعمل على استقلالها السياسي والاقتصادي.
وهو المشروع الإسلامي المعتدل الذي يقوم على التوازن بين المادة الروح، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ (القصص: من الآية 77)، كما يوازن بين حيازة أسباب السيادة في الدنيا والعمل بأوامر الدين.
إن نظرات الإمام الشهيد يتضح عمقُها وأصالتها في أنه عمل طوال عمره على قيام وبناء هذا المشروع؛ باعتباره سبيلاً لا بديل عنه لنهضة الأمة وإنقاذها، فقد اتجه إلى بناء الأمة بناءً حقيقيًّا كما شيَّدها وأقامها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ لقد أعاد الفقه السياسي الإسلامي بعد أن وُضع تحت التراب، وقالوا: "لا سياسةَ في الدين"، وأعاد الاقتصاد الإسلامي البعيد عن لوثة الربا، فأنشأ الشركات والمؤسسات الإسلامية التي نجحت أيَّما نجاح، وكان تلاميذ الاستعمار وضحايا الغزو الفكري- وما زالوا- يقولون: ما للدين والسياسة؟! ما للدين والاقتصاد؟! ما للدين والحياة؟! فردَّ عليهم عمليًّا، وفنَّد أقوالهم، وكشف عن جهلهم.
إن المشروع الإسلامي في منهج الإمام مشروع شامل كامل، وهو الوحيد الذي ينقذ الأمة من القعود والجمود والتقليد والتخلف.
لقد كان- رحمه الله- يثق في أن نفسه تحمل أطهر دعوة عن حبٍّ وطواعيةٍ واقتناعٍ، فما تردَّد لحظةً فيما أعدَّ نفسَه له، كانت ثقته في نفسه تجعله يقوم على الدور الخطير الذي يهرب منه الكثيرون، وكان يرى أن التربية العملية يجب أن تكون ملازمةً للدروس النظرية، وتطبيقًا لها في برامج التعليم، وأن التربية السلمية الصحيحة الواعية هي التي تجْلِي روعةَ هذا الدين في واقع الحياة.
لقد تعلَّمت منه الأجيال استحالةَ الفصل بين العقيدة الراسخة في قلب المؤمن، العقيدة التي تعبَّدَنا اللهُ بها، والشريعة التي تحكم حياتنا، وتنظِّم تصرفاتها في الحياة، كما تعلَّمت منه الأجيال أنه كان يضع عقيدته دائمًا أمامه؛ يستلهمها وينزل على حكمها، وبعد ذلك يأخذ في التفكير وإعمال عقله، مع الطاعة الكاملة لشرع الله، والالتزام بأوامره؛ عقيدته أولاً، ثم عقله ثانيًا، فالحَسَنُ عنده ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع.
شمولية الإسلام
وقد حرص أن تكون دروسه وتوجيهاته ومحاضراته مزيجًا دقيقًا متناسقًا بين العبادة والسياسة، والاقتصاد والتربية والجهاد، يقول عنه الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين- يرحمه الله-: "لقد اشتعل رأسي شيبًا، وتحت كل شعرة خبرة وتجارب سنين عديدة، ولكني حين التقيت حسن البنا علمت أنني انتهيت من حيث بدأ هو".
وما أحوجَ المسلمين اليوم وغدًا- وقد أحيط بهم- أن يراجعوا مواقفهم من الإسلام، وأن يقبلوا عليه كما عرضه الإمام البنا!!؛ لقد استطاع أن يكشف عن الداء الأصيل في الأمة، وهو قضية الفهم للإسلام بنظامه وشموله وضعف الإيمان والصلة بالله، فأنشأ محاضن التربية، واهتم بالناحية الإيمانية، وأعاد سيرة دار الأرقم من جديد، يقول- رحمه الله-: "هذه المحاضن التربوية تقوم على كتاب الله والمنهج النبوي في إعداد الأفراد.." فكانت اللبنة الأولى هي الأسرة، وحدَّد أركانها: التعارف، والتفاهم، والتكافل، يقول: "فإذا أدَّيتم هذه الواجبات الفردية والاجتماعية والمالية، فإن أركان هذا النظام ستتحقق ولا شك"، ويقول رافعًا راية التربية ومقدِّمها على ما سواها: "سنربِّي أنفسنا ليكون منا الرجل المسلم، وسنربي بيوتنا ليكون منا البيت المسلم، وسنربي شعبنا ليكون منا الشعب المسلم"، أما العُدَّة في هذا الأمر "فقد أعددنا لذلك إيمانًا لا يتزعزع، وعملاً لا يتوقف، وأرواحًا خير أيامها يوم أن تلقى الله شهيدةً في سبيله".
الإمام البنا وقضية فلسطين
إنه شهيد هذه القضية، وقد كانت عنده- وما زالت عند جميع الإخوان في العالم- قضيةَ الإسلام الكبرى، وهي كما قال: "قلب أوطاننا، وفلذة كبد أرضنا، وخلاصة رأسمالنا، وحجر الزاوية في جامعتنا ووحدتنا، وعليها يتوقَّف عز الإسلام أو خذلانه" بهذا الفهم العميق، كأنه يخاطبنا اليوم، ويعيش معنا رحمه الله؛ فالعصابات الصهيونية- ومن ورائها أمريكا- حوَّلت قضية فلسطين مع عصابات يهود إلى معركةٍ كبرى، وقد تجسَّد الصراع بين قوى الشر والظلم من ناحية، وأهل فلسطين العزَّل من جانب أخرى.
ولم يكن الإمام غافلاً عن حجم المتاعب التي ستأتي من التصدي لهذه القضية، وكان يقول: "ريح الجنة تهب من فلسطين" ويقول: "إن الإخوان المسلمين ليعلمون أن دعوتهم عدوة للاستعمار؛ فهو لها بالمرصاد، وعدوة للحكومات الجائرة الظالمة؛ فهي لن تسكت على القائمين بها، وعدوة للمستهزئين والمترفين والأدعياء من كل قبيل؛ فهم سيناهضونها".
ولقد اهتم الإمام وإخوانه بقضية فلسطين، فدفعوا بشبابهم لمواجهة الصهيونية، ونازلوهم في كل مكان، وقدَّموا الشهداء الأبرار، وهم دائمًا على استعداد- لو أتيح لهم- أن يواجهوا الصهاينة في فلسطين، ما تخلَّفوا عن هذا الواجب وتلك الفريضة.
من أهداف الإخوان
يقول الإمام البنا: اذكروا دائمًا أن لكم هدفين أساسيين:
الأول: أن يتحرَّر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي.
الثاني: أن يقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة؛ تعمل بأحكام الإسلام، وتطبِّق نظامها الاجتماعي، وتبلِّغ دعوته للناس.
ومن وسائلهم أيضًا التي حدَّدها الإمام: البذل، وتقديم الخدمات، والعطاء من غير حدود، يقول- رحمه الله-: "أيها الإخوان، قبل أن آخذ معكم في حديث الدعوة أحب أن أوجِّه إليكم هذا السؤال: هل أنتم على استعداد- بحق- لتجاهدوا ليستريح الناس؟ وتزرعوا ليحصد الناس؟ وأخيرًا لتموتوا وتحيا أمتكم؟ وهل أعددتم أنفسكم- بحق- لتكونوا القربان الذي يرفع الله به هذه الأمة إلى مكانتها؟" (رسالة تحت راية القرآن).
وقد تحدَّث الإمام البنا عن الاقتصاد ونهضة الأمة فقال: "والأمة الناهضة أحوج ما تكون إلى تنظيم شئونها الاقتصادية، وهي أهم الشئون في هذه العصور، ولم يغفل الإسلام هذه الناحية، بل وضع كلياتها، ولم يقف أمام استكمال أمرها". إن الفقه الإسلامي مملوء بأحكام المعاملات المالية، وقد فصَّلها تفصيلاً دقيقًا.
ولقد حدَّد الإمام الغايةَ والهدفَ والوسيلة، والغاية دائمًا هي الأصل: "الله غايتنا"؛ فهذا أصل الأعمال، وهي القوة التي تدفع إلى الطريق، يقول الإمام: "مصدر تحديد هذه الغاية هو الإسلام؛ فهي تتجلَّى في كتاب الله وسنة رسوله، والتزامها بها هو انتسابٌ لأسمى مهمة؛ فهو- سبحانه- غايتنا الأصيلة، وأساس ومحو صلاتنا وأعمالنا، وهذا مصدر عزتنا وقوتنا، وليس بعد ذلك عزة ولا قوة" (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).
وعن المهمة يقول: "أيها المسلمون.. عبادة ربكم، والجهاد في سبيل التمكين لدينكم وإعزاز شريعتكم هي مهمتكم في الحياة، فإن أديتموها حق الأداء فأنتم الفائزون"، ومن أوصاف أصحاب النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- "رهبان بالليل فرسان بالنهار" (المرجع السابق).
إيقاظ الأمة
ثم يتحدَّث عن ضرورة إيقاظ الأمة من الغفلة التي سيطرت عليها، فيقول: "علينا أن نوقظ الأمة من غفلتها، وأن نقف أمام هذه الموجة المادية الطاغية، ونستعيد مجد الإسلام، ونغزو الدنيا في عقر دارها حتى يهتف العالم باسم النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وينتشر ظل الإسلام على الأرض" (رسالة تحت راية القرآن).
ومن هنا نفهم بعض أسرار المطاردة الوحشية والمستمرة للدعاة من المسلمين الذين حدَّدوا أهدافهم بدقة، والتزموا بالنهج الشامل للإسلام، من هنا يبرز السبب الذي يُبطل العجب حين نرى الإمام البنا يُقتل في أكبر شوارع القاهرة، وتتآمر الدولة كلها على ذلك، ونرى الإخوان يُحال بينهم وبين دورهم في إنقاذ الأمة اليوم التي وصلت أحوالها إلى مستوى لم يعد خافيًا على أحد، بينما يتاح السبيل لكل من هبَّ ودبَّ ممن لا غايةَ له ولا هدفَ.
إن استمرار هذا الموقف واليهود على الأبواب، وما أقاموا دولتهم الباغية وتجمَّعاتهم إلا على أساس التوراة والتلمود، وما استنفروا شراذم اليهود إلا بدوافع الإيمان.. لهو أمرٌ غريب.
إن استمرار هذا الموقف من الحركة الإسلامية ومطاردة رجالها، وأمريكا تعبث بكل شيء في ديار الإسلام؛ تقتل وتسجن وتهدم في العراق وأفغانستان، وتغيِّر وتبِّدل في المناهج، وتأمر وتنهى والجميع ساكت!!؛ كلها وغيرها أمور عجيبة وغريبة، وعليها علامات استفهام.
من فلسطين
رحم الله الإمام حسن البنا وجزاه الله خير الجزاء عن المسلمين أجمعين ..
كان رحمه الله رجل بأمة وكان صاحب منهاج من ينتهجه يصل الى الطريق القويم ..
أتمنى أن يصبح منهج الإمام هو منهاج كل الأمة لترتقي وتعيد لنا أمجاد الخلافة الاسلامية ..
الوصايا العشر للإمام حسن البنا
1- قم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف.
2- اتل القرآن أو طالع أو استمع أو اذكر الله ولاتصرف جزءا من وقتك في غير فائدة.
3- اجتهد أن تتكلم العربية الفصحى فإن ذلك من شعار الإسلام.
4- لاتكثر الجدل في أي شأن من الشئون أيا كان فإن المراء لايأتي بخير.
5- لاتكثر الضحك فإن القلب الموصول بالله ساكن وقور.
6- لاتمزح فإن الأمة المجاهدة لاتعرف إلاّ الجد.
7- لاترفع صوتك أكثر مما يحتاج إليه السامع فإنه رعونة وإيذاء.
8- تجنب غيبة الأشخاص وتجريح الهيئات ولاتتكلم إلاّ بخير.
9- تعرّف إلى من تلقاه من إخوانك وإن لم يطلب إليك ذلك ، فإن أساس دعوتنا الحب والتعارف.
10- الواجبات أكثر من الأوقات ، فعاون غيرك على الإنتفاع بوقته وإن كان لك مهمة فأوجز في قضائها.
الإمام/ حسن البنّا رحمه الله